عندما يتحول الأمر بالمعروف الى منكر!!
كتبهاطارق ، في 13 أكتوبر 2008 الساعة: 15:46 م
تأسست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام 1345هـ، وكلف حينها الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيسا لهذه الهيئة، وقد كانت حينها حصرا على منطقة نجد، وامتدت بعد ذلك لتشمل باقي مناطق المملكة. واليوم هناك 486 مركزا للهيئة، 117 منهم في منطقة الرياض، و36 في المنطقة الشرقية، و81 في منطقة مكة المكرمة، و26 في منطقة المدينة المنورة. ومن المعلوم أن هدف هذه الهيئة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا واضح من مسماها، وهوبالتأكيد هدف اسلامي نبيل حث عليه ديننا الحنيف وكتابنا القرآن الكريم بقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) *آل عمران من الآية 110* وقوله تعالى:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) *آل عمران 104* وقوله تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)*الحج 41*.
لكن في كثير من الأحيان وقد يكون عن غير قصد منا، نطبق مبادئ سامية ونبيلة بطريقة لا أخلاقية ولا مسؤولة، فنعكس صورة مشوهة وقبيحة لهذا المبدأ أو ذاك الهدف، وهذا ماهو حاصل مع هذه الهيئة، التي فاحت رائحتها الكريهة في جميع مدن المملكة العزيزة، وشوهت صورة الإسلام بمماراستها الطائشة والغير محسوبة، فهناك مشاكل حقيقية في هذه الهيئة لايمكن إخفاؤها أو التغاضي عنها، قد يكون أهمها هو عدم وجود قانون واضح يبين حدود المعروف والمنكر بشكل دقيق بما يتناسب مع مجتماعتنا، فالقوانين في هذا المجال هي قوانين مطاطة لا يفهم منها لا حق ولا باطل، وتطبيقها راجع لمزاج موظف الهيئة أو لوجهة نظره الشخصية، وهنا سأذكر بعضا من الأمثلة الواقعية لتوضيح هذه النقطة بشكل أكبر.
فهاهو موظف الهيئة يتجول في أي مكان يحلو له دون قيد أو شرط، فإن رأى شخصا لم يعجبه شكله أو لباسه، كأن يكون رجلا يرتدي الـ تي شيرت أو الجينز، علما بأن هذه الملابس يتم بيعها داخل المملكة بشكل طبيعي، ومع ذلك حق له أن يوقفه ويطلب منه ماشاء من أوراق ثبوتية، ويبدأ بمساءلته والتحقيق معه، فهذا الشخص من وجهة نظر موظف الهيئة لا يلتزم بالمظهر الإسلامي الذي يفهمه هو، ومنهم من شرع قانون من مخيلته بأن اللحية الطويلة والثوب القصير وسواك الفم هو المظهر الوحيد للرجل المسلم! بينما واقعيا لا يوجد هناك قانون رسمي واضح يشرح ماهو مظهر الرجل الإسلامي!! لكن ومع ذلك قد يجبر الواحد منا على ركوب سيارة الهيئة والذهاب الى مركزها وقد يتم تفتيشه بشكل كامل ويوقع على تعهد بعدم إعادتها مرة أخرى!
والأمر ذاته بالنسبة لمظهر المرأة المسلمة، كأن تكون محجبة دون غطاء الوجه، فيتم التعامل معها وكأنها سافرة، مع العلم أن غطاء الوجه ليس من الثوابت الإسلامية، وهناك خلاف بين المذاهب على ذلك. أو أن يتم التعامل مع عباءة الرأس على أنها الزي الشرعي الوحيد الذي يجب على المرأة السعودية الإقتداء به، مع العلم بأن العباءة بشكل عام هي زي تقليدي يتوافق مع مبادئ الزي الشرعي، فكيف إذا كانت هذه المرأة لم ترتدي رداءا غير العباءة، سوى أنها على الكتف بدلا من الرأس، أو فيها بعض الألوان غير اللون الأسود الذي لم يكن شرطا من شروط الزي الشرعي الذي فرضه الإسلام. فلا يوجد هناك من قبلهم مراعاة لإختلاف الأحكام أو المذاهب، والتقييم في أمور كهذه خاضع لمزاج الموظف.
ولو أن هذا الموظف وجد رجل مع امرأة في أي مكان عام، يحق له أن يتهمهما من دون وجه حق بأن لاقرابة بينهما، ويتم التعامل معهما على أساس أنهما مذنبان كاذبان، وبناءا عليه يقوم بواجبه ليتأكد إن كان هذا الرجل من محارم هذه المرأة أم لا، وله حرية التصرف بذلك، ولو تضمن ذلك الإطلاع على أسرارهم وحياتهم الخاصة، كأن يأخذ منهما الهاتف الجوال ولو بالقوة، ويبدأ بالبحث والتنقيب في هذا الجوال الذي يعد في زماننا من أكثر الأغراض الشخصية التي تتميز بخصوصية شديدة، وقد لا يخلو أسلوب التحقيق من الصراخ والشتم أوحتى الضرب، ليتبين لا حقا بأنهما زوجان، أو أخ أو أخته، أو ماشابه ذلك!
فمن أكبر المشاكل التي يواجهها المواطن مع موظف الهيئة أنه لا يعلم ماهي حقوقه وماهي واجباته أمام هذا الموظف، فهو يملك صلاحيات لامحدودة أو مجهولة تجاهه.
والمشكلة الأخرى هي سوء فهمهم لأسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا المبدأ خاضع لضوابط أخلاقية ودينية لا يجوز تجاوزها تحت أي شعار كان، فليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو بإهانة الناس وانتهاك حقوقهم واجبارهم على المعروف بأسوء الطرق وأفظعها، فأين هم هؤلاء عن قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) *النحل125* فأسلوبهم أبعد ما يكون عن الحكمة والموعظة الحسنة، هذا ناهيك عن تصرفهم مع الناس وكأنهم الأعلم بمن ضل ومن اهتدى. بالإضافة لقوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) *البقرة 256* والإكراه هو واقع في اسلوب الهيئة. وقوله تعالى: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) *يونس 99* .
لكن قد فسرت لنا الدراسة الأكاديمية التي أجراها معهد الملك عبدالله (حفظه الله) للبحوث والدراسات الإستشارية بجامعة الملك سعود، بعضا من الأسباب التي تجعل موظفين الهيئة بهذا المستوى من الأسلوب اللا إسلامي، والتي أفادت بأن 26% من عينة القائمين بالعمل الميداني في هيئة الأمر بالمعروف لا يحملون الشهادة الثانوية وأن 9% منهم يحملون الشهادة الابتدائية فقط، فيما تمثل نسبة حملة الشهادة الثانوية 29%!! ومع ذلك هم ينزلون الى الميدان كشيوخ وعلماء!
ما أود أن أوصله هو أن هذه الهيئة صورة مشوهة وسيئة جدا لأسلوب الدعوة الإسلامي، كما أنها مثال مهين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فها قد بدأت نتائج تصرفاتها الغير مسؤولة بالظهور على السطح وبكل وضوح، فحادثة تبوك الشنيعة والعزيزية والمدينة المنورة ومطاردة الرياض وغيرها الكثير الكثير من الحوادث التي كشفت عن النتائج الخطيرة لاسلوب هذه الهيئة، وماخفي كان أعظم. وعلى الرغم من ذلك مازالت الهيئة تدافع وتكابر وتناور بشكل مخجل بعيدا عن واقعها الحقيقي، حتى تكاد أن تفقد ماتبقى لها من مصداقية، هذا إن لم تكن قد فقدتها، خاصة بعد الإتهام المضحك الأخير الذي صدر من أحد الرؤساء بالهيئة للشاب في حادثة مطاردة الرياض (من بعد ماتبين بأن الفتاة التي كانت برفقته هي زوجته على سنة الله ورسوله) بأنه قام باستبدال الفتاة التي كانت معه بزوجته مستغلا زحمة السير!!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : طارق النزر | السمات:طارق النزر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 3rd, 2008 at 3 نوفمبر 2008 12:01 م
مرحبا طارق
المقال أفادني بمعلومات لم أكن أعرفها فشكرا
لاحظتُ أن البعض كان يحاول أن يهوّن الصدمة على نفسه حين يحصر أخطاء الهيئة المذكورة في أسلوبها
لكن الحقيقة أن الخطأ ليس في الأسلوب بل في المنهج اساسا
لماذا الهيئة ؟ ولماذا هي جهاز حكومي ؟
إما أن تتحول إلى شرطة آداب .. وإما أن تتحول إلى مؤسسة مدنية
أما أن تكون سلطة حكومية تريد تربية الأخلاق فينا فهو أمر مضحك لا يتكرر في العالم
لا يوجد حكومة في العالم على حد علمي تسعى بطريقة وعظية لتأديب الشعب تربويا وأخلاقيا إلا الحكومتين السعودية والايرانية .. والافغانية الطالبانية سابقا
أساسا العلاقة بين ماهو حكومي وما هو مدني هلامية في المملكة ولا نعلم ماذا نريد وماذا تريد الحكومة
الهيئة لا تأمر بالمعروف فهذا عنوان كبير جدا ..
لكن جهودها تنحصر في المحافظة على التقاليد
سلام
نوفمبر 5th, 2008 at 5 نوفمبر 2008 8:12 م
أهلا بك ابنة ابي نواس
اشكرك على هذه المداخلة التي اتفق معها بشكل عام…
وفكرة شرطة الأداب هي واقعية وتطبيقها ليس صعبا،
وحينها سيكون هناك ضوابط وقوانين تحكم عملها وتحصرها
في مجال معين، ليس كما هو حاصل الآن، فهي تقوم بجميع
الأمور التي تحلو لها، من مكافحة مخدرات وأمن ومداهمات…الخ
اشكرك مرة أخرى على مرورك وتعليقك، كما أنه يسرني ان أقوم
يزيارة لمدونتك قريبا…
تقبلي مني فائق التقدير مع التحيــــــــــات…
نوفمبر 7th, 2008 at 7 نوفمبر 2008 9:54 م
الحمد لله الأول قبل الإنشاء والأحياء والآخر بعد فناء الأشياء العليم الذي لا ينسى من ذكره ولا ينقص من شكره ولا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيداً وأشهد جميع ملائكتك وسكان سماواتك وحملة عرشك ومن بعثت من أنبيائك ورسلك وأنشأت من أصناف خلقك إني اشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ولا عديل ولا خلف لقولك ولا تبديل وأن محمد صلى الله عليه وآله عبدك ورسولك أدى ما حملته إلى العباد وجاهد في الله عز وجل حق الجهاد وأنه بشر بما هو حق من الثواب وأنذر بما هو صدق من العقاب اللهم ثبتني على دينك ما أحييتني ولا تزغ قلبي بعد أن هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، صل على محمد وعلى آل محمد واجعلني من أتباعه واحشرني في زمرته ووفقني لحسن عبادتك وما أوجبت علي من الطاعات وقسمت لأهلها من العطاء في يوم الجزاء إنك أنت العزيز الحكيم.
جمعة مباركة.
نوفمبر 10th, 2008 at 10 نوفمبر 2008 2:39 م
ام عبدالرحمن
اسأل الله لك الهداية الى الصراط المستقيم، وأن يغفر لك كبائر ذنوبك وقبائح أعمالك
ويرزقك ويرزقنا جنته…