ما جرى مؤخرا من تطاول على مقام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وما تبعه من ردود، سواء كانت إدانة واستنكار، أو إستغلال للحدث لتغذية الفتنة وشحن التوتر الطائفي، أظهر للسطح حجم الفجوة الكبيرة بين الطائفتين الإسلاميتين السنية والشيعية من جهة، وكثرة دعاة الفتنة وأعداء وحدة المسلمين بالداخل الإسلامي ولا سيما بالجانب السلفي المتشدد من جهة أخرى، ففي الوقت الذي سارع فيه عدد كبير من علماء الطائفة الشيعية وأبناءها لإدانة الحدث بشتى الطرق وانكار الفعل على فاعله، لاحظنا استغلال سلفي لنفس الحدث للنيل من الطائفة الشيعية عامة، والإساءة لها ولأبناءها بشتى الطرق تحت عنوان نصرة ام المؤمنين عائشة والدفاع عنها، بل أن البيانات والإستنكارات الشيعية التي أدانت الحدث، لم تلقى سوى ترحيب خجول من بعض عقلاء السنة ومثقفيها، وغالبية الردود الأخرى كانت في اتجاه تسخفيها والتشكيك بمصداقيتها، لا سيما التشكيك تحت عنوان "التقية" التي تم التسويق لها من قبل الجانب السلفي بشكل كبير هذه الفترة، وتجاوزت المطالب السلفية للشيعة حدود إدانة الحدث واتخاذ موقف واضح منه، ليصل ببعضهم الأمر بمطالبة الطائفة الشيعية بحرق كتبها والبراءة من رموزهما والتنازل عن معتقداتها، أي بمعنى آخر أن يتحول الشيعة جميعا إلى الطائفة السنية! ولا أدري إن كان هؤلاء المتشددون سيقبلون بذلك فيما لو طالبهم به الشيعة؟ في الوقت الذي كانوا فيه ولا زالوا يتعرضون من قبل كبار وصغار المتشددين، للإهانة والإبتزاز والتحريض ضدهم وإهانة رموزهم، وإصدار فتاوى شرعية تفيد بتكفيرهم وهدر دماءهم وجواز محاربتهم، هذا عدا اتهامهم باليهودية أو المجوسية ووصفهم بابناء الزنا والمتعة، والإصرار على تسميتهم "بالروافض"، وغيرها الكثير من الاتهامات والشتائم السطحية والواهمة، وليس بتكفير الكلباني للطائفة الشيعية، أو اساءة العريفي لها بالأمر البعيد، ومع ذلك لم تتجاوز المطالب الشيعية حدود الإعتذار والإحترام والتقدير. مما أوضح بشكل لا مجال للشك فيه بأن هناك تشويه من قبل هؤلاء للوحدة ومحاولة لنشر مفهوم خاطئ لمبدأ التقارب الإسلامي، الذي لا يعني تنازل كل طائفة عن قناعاتها ومبادءها، وإنما هو الإلتقاء على الأساسيات المتوافقة، من خلال تأسيس علاقة سليمة ومتينة بين الطوائف الإسلامية، ولا سيما السنية والشيعية منها، عمادها القواعد المشتركة.
ومن أجل أن لا تجرفنا العواطف وردات الفعل الغير مدروسة على هذه الجهة أو تلك، للمزيد من الإنحراف عن المسار الوحدوي السليم، أحببت أن ألفت نظر الكثيرين لكتاب (أحاديث في قضايا الإختلاف والوحدة) لسماحة المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله، وبتصوري هو من أهم الكتب في الساحة الإسلامية عامة، وليس الساحة الشيعية فحسب، لأنه يطرح مشكلة الإختلاف المذهبي التي تمثل عائق حقيقي في سبيل نهضتنا وتقدمنا، في محاولة جادة لحلها بشكل موضوعي وعملي، بعيدا عن الشعارات الرنانة للوحدة الغارقة في جو الخيال، من خلال تأكيده على أن واقعنا الإسلامي ليس مثاليا بتعاطيه مع اختلافه، وإنما هو مليء بالتعقيدات، لكن هذا لايعني أن نستسلم لتعقيداته، بل علينا مواجهتها ومعرفة كيفية التعامل معها للتخلص منها، مؤكدا بالوقت نفسه على التزامنا بخط الوحدة كمبدأ في تعاطينا مع الآخر، مبينا الأسس والأساليب المطلوبة لذلك بشكل عملي. ونظرا لما تضج به الساحة بين فترة وأخرى من توتر طائفي، شعرت أنه من الرائع لو حاولنا الإلتزام بالمبادئ الموصى بها من خلال هذا الكتاب كحل لمشكلة الخلاف المذهبي وما قد ينتج عنها من فتن، علما بأن هذه الإضاءات المأخوذة منه لا تغني عن قراءته، وإنما هي من باب تسليط الضوء على بعض الإشكاليات التي تحيط بمشروع الوحدة مع التأكيد على ضرورة الإلتزام بهذا الخط بالرغم من ما قد نصاب به من خيبات أمل أو عقبات، وكذلك لتبيان بعض الخطوط العامة في التعاطي مع الآخر، من خلال التركيز على جزء يسير مماجاء فيه فيما يتعلق بالمشاكل التي قد تحصل وتتكرر في كل مرة تثار فيها القضية المذهبية لسبب أو لآخر، وبالوقت نفسه هي دعوة لقراءة هذا الكتاب "الذي يستحق القراءة" لكل من لم يقرأه، سواء من الشيعة أو من السنة.
ففي هذا الكتاب تحدث سماحة السيد فضل الله عن العامل المذهبي واشكالية الوحدة بقوله : ( إن من بين مشاكل المسلمين "في ذهنيتهم الثقافية" أن التربية العامة والخاصة تؤكد على الشخصية المذهبية في انتماءاتها قبل التأكيد على الشخصية الإسلامية العامة، فالمسلم السني يولد سنيا في طفولته وشبابه، ويعيش مفردات المذهب المليئة بالحساسيات والتعقيدات، المختنقة بالزوايا المغلقة للتاريخ الغارق في عصبياته، وبذلك ينطلق في علاقته بالمسلم الآخر ونظرته إليه من كل هذه الأجواء السلبية التي تفرضها التربية العامة والخاصة… والمسلم الشيعي يتحرك في الخط نفسه ولكن في اتجاه آخر.
وهكذا يساهم هذا الواقع المذهبي للشخصية في إبعاد المسلمين عن الإنفتاح على الإسلام في الأفق الواسع والساحة الممتدة، سواء في أفكاره وأهدافه، أو في قيمه الأخلاقية وحركته الشاملة في العالم كله، وفي أساليبه الحوارية الوحدوية التي تنفتح على غير المسلمين بالموضوعية والعقلانية القائمة على الحجة والبرهان، كما تنفتح على المسلمين في ما يتنازعون فيه أو يختلفون عليه.
ويتحول هذا المسار بفعل الحالة الشعورية الحادة، والإستذكار التاريخي الدائم للمشاكل المتنوعة بين المذاهب المثيرة للجدل في خصوصياتها ومفرداتها، والممارسة اليومية للإنفعالات القاسية، إلى تراكمات عقلية ونفسية، وتعقيدات عملية، تؤدي إلى أن يتحول المذهب إلى دين مميز بالمستوى الذي قد يتخفف فيه الإنسان المنتمي إليه من المشاعر المعقدة ضد الأديان الأخرى، ليعيش فيه ثقل الشعور العدواني ضد الدين _المذهب، بحيث يجد في وعيه الذهني والشعوري العذر للّقاء بأتباع الأديان الأخرى في مواقع اللقاء، بما لايجد العذر للّقاء بأتباع المذاهب الأخرى في دائرة الإسلام.
وهذا ما لاحظناه في بعض المواقع المذهبية الحادة التي تلحق بعض المسلمين بالمشركين والكافرين، فلا ترى لهم حرمة في دم أو مال أو عرض، ولا تفتي بجواز الزواج منهم أو تزويجهم، بينما ترى ذلك في علاقتهم بأهل الكتاب، لأنهم أهل ذمة، بينما لا يملك المسلمون "في هذا المذهب أو ذاك" حق الذمة، بعد أن فقدوا في رأيهم الإنتماء الحقيقي للإسلام، في الوقت الذي لا يملكون فيه صفة أهل الكتاب.)
ويتابع سماحته حديثه عن غياب المنهج القرآني الحواري في مواقع الحوار مع المسلم الآخر ، حيث قال : ( وقد نلاحظ في هذا المجال، أن هؤلاء المسلمين، وفي ظل غياب الشعور بالخط الإسلامي العام لديهم، لا يتبعون المنهج القرآني في الحوار مع المسلمين من المذهب الآخر من خلال العناوين العامة في التخاطب والجدال ومواجهة المشاكل في ساحة الخلاف، في ماجاءت به الآيات الكريمة:
{وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} "الإسراء:53"
{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} "النحل:125"
{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} "فصلت:34"
وهكذا نجد الإسلوب القرآني يتعاظم ويسمو في إنسانيته وموضوعيته في الآية الكريمة في قوله تعالى : {وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} "سبأ:24" . وقد بلغ هذا الأسلوب الذروة في الإيحاء بأن مسألة الخلاف الفكري بين خط الهدى وخط الضلال، يفترض أن يبتعد عن الأحكام الحاسمة السابقة، وعن الجوانب الذاتية، ليتحول إلى حوار بين فكر وفكر، من دون أن يكون للواقع الإنتمائي إلى هذا أو ذاك دور في حركة الحوار.)
ومماسبق ذكره يتبين لنا بأن هناك بعدا ملموسا من حيث واقعنا الحواري عن منهجية القرآن الحوارية، فكثيرا تجدنا نجادل بالتي هي أسوأ، وندفع بالتي هي أسوأ، وباتت الكثير من النفسيات عدوانية تجاه الآخر المسلم، ومنطق الكثير منهم هو السباب والعدوان، وبخصوص ذلك يتابع السيد حديثه بقوله : (فإذا اقتربنا إلى الأساليب العدوانية في الشتم والسب والاتهامات غير المدروسة وغير الخاضعة للدقة والحساب، فإننا نجد أن القرآن يتخذ موقفا حاسما رافضا لكل هذه الأساليب من خلال دراسة الواقع النفسي في عناصر الإثارة والإنفعال، بما يبتعد بالمسألة عن التوازن ويدفع بها إلى المواقع العدوانية في عمليات رد الفعل السلبي، الناتج عن إحساس الإنسان بصوابية موقفه دون مواقف غيره، وهذا مانراه حين يشتم المسلمون بعضهم بعضا في رموزهم الكبيرة التي يحترمونها ويعظمونها، بسبب الخلاف حول مسألة تقويم دورها بين السلب والإيجاب، ما يجعل بعض المسلمين يصعدون بها القمة، بينما يتحفظ الأخرون منهم حولها ليضعوها في موقع عادي، أو لينزلوا بها إلى الأسفل، فيكون السباب هو الأسلوب التعبيري عن الإنطباعات الحادة حول هذا الرمز أو ذاك، فيؤدي إلى مقابلة السباب بمثله، والموقف العدواني بموقف عدواني مماثل.
إن القرآن يؤكد رفض هذا الأسلوب في مواجهة الكافرين، في ما يختلف فيه الكفر عن الإسلام، مايوحي بأن القضية تتجه إلى خطورة أكبر، عندما تتحرك التجربة في الواقع الإسلامي في خلافات المسلمين الإجتهادية في علم الكلام أو الفقه أو نحو ذلك، وهذا هو ماجاء به قوله تعالى : {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ك
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ